محمد متولي الشعراوي

1939

تفسير الشعراوى

المجتمع طاقات من كانت ملكاته قليلة ، فصاحب الملكات القليلة يريد أن يمدح ، فلا مانع من مدحه ليزيد من العمل ، ويمدح مرة ثانية ، وتستفيد الناس ، والذي ينتظر الثناء من الناس تنزل منزلته ومرتبته عن مرتبة من انتظر التقدير من اللّه ، فهو الذي جنى على نفسه في ذلك . لكن لا بد أن نمدحه كي يعمل بما فيه من غريزة حب الثناء فنكون قد زدنا من عدد طاقات العاملين . ولذلك نجد أن الحق سبحانه وتعالى حينما عرض لهذه القضية ، وهي قضية تزكية الصالح وتجريم الطالح الفاسد في قصة « ذي القرنين » يقول تعالى : وَيَسْئَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُوا عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْراً ( 83 ) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً ( 84 ) ( سورة الكهف ) كي تعلم أن الممكّن لا يمكّن بذاته وإنما هو ممكن بمن مكّنه ، فلو كان عنده تفكير إيماني ، لما أغرته الأسباب أن يتمرد ؛ لأن الإيمان يعلمه أن الأسباب ليست ذاتية . ومن أجل أن يثبت اللّه أن الأسباب غير ذاتية فهو ينزع الملك ممن يشاء ، ويهب الملك من يشاء ، نقول له : لو كانت الأسباب ذاتية فتمسك بها ، لكن الأسباب هبة من اللّه « وَآتَيْناهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَباً » وحين يأتيه اللّه الأسباب فالأسباب أنواع : سبب مباشر للفعل ، وسبب متقدم على السبب المباشر ، فأنت إذا ارتديت ثوبا جميلا ، فوراء ذلك أنك أتيت بالقماش الذي نسجه النساج ، والنساج استطاع إتقان عمله بعد أن قام الغزّال بغزل القطن ، والقطن نتج لأن فلاحا بذر البذور ورعى الأرض بالحرث والري . فأنت إن نظرت إلى الأسباب المباشرة المتلاحقة فانظر إلى نهاية الأسباب ، وستصل إلى شئ لا سبب له إلا المسبب الأعلى وهو اللّه - جلت قدرته - . وسلسل أي شئ في الوجود ستجد أنك أخيرا أمام سبب خلقه اللّه ، مثال ذلك النور الكهربىّ الذي تتمتع أنت به . ستجد أن المعمل قام بصنع الزجاج الخاص بالمصابيح الكهربية ، ونوع من المصانع يصنع الأسلاك الموجودة بالمصباح ، وستنتهى إلى شئ موجود لا يوجد فيه بشر ، فتصل إلى الحق سبحانه وتعالى .